المنظمات الإنسانية والخيرية في الثقافة العربية

الدكتور هيثم مناع

ابحث في الصفحة
=============

ظاهرة التجمع الخيري ظاهرة عالمية موغلة في القدم. نجدها في الحضارات الصينية والإغريقية والهندية والفارسية القديمة. بأشكال مختلفة متنوعة في الدوافع والتركيب والوظيفة.

يمكن ملاحقة ظاهرة التنظيمات والشخصيات الاعتبارية Charismatic غير الدولانية بعيدا في التاريخ المشرقي. وقد لعبت أكثر من فرقة دينية مسيحية دورا متمايزا في خلق هامش مستقل عن الدولة ومستقطب كان له عظيم الأثر في نشر المعرفة والثقافة الدنيوية والدينية كالنساطرة واليعاقبة. ويمكن القول أن الكنيسة الشرقية قد أصلت لتراث شعبي لكونها احتفظت بمسافة هامة من السلطات السياسية. كذلك كان لبعض الحركات الدينية دور الحماية الاجتماعية بوجه الدولة أو المحتل حيث كان جهازها الوسيط المنظم لهذه العلاقة أو الصوت المعبر عن مصلحة المجموع أو دور "كاظم الغيظ" الجماعي عبر القيام بمهمات كبيرة لم تكن الدولة تتصدى لها.

لم يتوقف صعصعة بن ناجي بن عقل، جّد الشاعر الأخطل، الذي يعتبره الدكتور منصف المرزوقي الأب الروحي للحركة العربية لحقوق الإنسان، لم يتوقف عند شجب قتل الأطفال ووأد البنات. بل تعدى ذلك في غياب أي ناظم لهذه المأساة في الأوساط القبلية إلى دفع فدية عن كل طفلة يريد أهلها وأدها خشية الجوع. وكان يدفع الفدية لإنقاذ أية طفلة من أية قبيلة دون اعتبار للقرابة أو الجوار. اتبع العديد من العرب أسلوب صعصعة وكان من يقوم بذلك يسمى "محيي الموؤودات". يقول الشاعر الفرزدق بهذا الصدد مفاخرا بجده:

وجدي الذي منع الوائدات        وأحيا الوئيد فلم يوأد

ومن الأشكال المبكرة للإحسان والرعاية كانت رعاية اليتيم. "وقد عرف العرب قبل الإسلام بيوت الأيتام لكل من فقد أو توفي أبيه أو قتل في حرب يشرف على تربيتهم الرؤساء والسادة وينفقون عليهم من صندوق تضامني كبير يجمع من سادة القوم وتبرعات القبائل وغنائم الحرب وكان أشهرها بيت أيتام غطفان"(2).

ويعتبر حلف الفضول من الأشكال المبكرة للتآزر دفاعا عن المظلومين. يعود هذا الحلف إلى نهاية القرن السادس الميلادي حيث يروى أن يمنيا من زبيد  أعطى بضاعته لرجل من بني سهم في مكة، فتخلف الأخير عن دفع ثمن البضاعة، فصعد جبل أبي قيس واستغاث بفضلاء مكة. فسمعوا قصته واقتنعوا بحقه وذهبوا إلى التاجر المكي لإجباره على دفع ثمن البضاعة. وقد رأى المبادرون لهذا التضامن مع المظلوم أن لا تتوقف مبادرتهم عند حدث معزول قائم على احترام قواعد البيع والشراء فقرروا ، وهم الفضيل بن الحارث الجرهمي والفضيل بن وداعة القطوري والمفضل بن فضالة الجرهمي التحالف على ألا يقروا ببطن مكة ظالما وقالوا: "لا ينبغي إلا ذلك لما عظّم الله من حقها".

ثم قرر الثلاثة توسيع نطاق عهدهم على أهل مكة فتم الاتفاق في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وكبر سنه، بحضور بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد الله العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة فتحالفوا وتعاقدوا ، باستعارة تعبير ابن الأثير " على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على ظالمه حتى ترد عليه مظلمته". فسمت قريش ذلك حلف الفضول وشهده النبي محمد ويروى عنه قوله : "لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان  لو دعيت به في الإسلام لأجبت."(3).

أسس القرآن الكريم للعمل الإنساني والخيري في آيات عدة نذكر منها للمثل لا للحصر:

"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما"

"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"(آل عمران:92)

"يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة"

"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة"(البقرة:245).

ومن الحديث الشريف: "اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله".

لقد ركز الإسلام على فكرة مركزية مفادها أن العمل الصالح والإحسان هما أولا فائدة للذات وثانيا فائدة للناس فيما يتقاطع مع الفلسفة التاوية في الصين:

وما تنفقوا من خير فلأنفسكم (البقرة:272)، "من عمل صالحا فلنفسه" (فصلت:46)

كان أبو طلحة الأنصاري صاحب أول وقف في الإسلام حين تبرع بأفضل ما عنده من مال وملك (بئر طيبة الماء اسمها بيرحاء)(4). وقد أوقف النبي محمد سبع بساتين كان أوصى بعض المحاربين أن يترك أمرها للرسول. ويقول جابر بن عبد الله الأنصاري: "ما أعلم أحدا ذا مقدرة من أصحاب الرسول من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من ماله صدقة لا تشترى ولا تورث ولا توهب"(5). لو تأملنا في هذه الجملة وقارناها بالتعريف الذي تقدمه الطبعة الأخيرة من الموسوعة العالمية لكلمة Foundation لوجدنا الفكرة الأساسية نفسها مزروعة منذ السنوات الأولى لولادة الإسلام.

لقد بدأت نويات أشكالٍ أكثر تقدما تنشأ مع ولادة المدن الجديدة والانتشار الأفقي الواسع للإمبراطورية العربية-الإسلامية مع ما حمله الفتح الإسلامي من اختلاط بشري وثقافي هائل. بعض هذه التعبيرات كانت حول شخصية فرد وبعضها الآخر محلي الطابع والبعض ذو طموح عالمي: ولعل ظاهرة الحسن البصري (642-728م/ 21-110 للهجرة) ومدرسته التعبير الأبرز في القرنين الأول والثاني للإسلام أولا كرغبة واضحة في الاستقلال عن السلطة السياسية، وثانيا كرغبة في الاستقلال عن التعبيرات السياسية-الدينية المعارضة، وباستعارة تعبيرات عصرنا، كسلطة مضادة Contre-pouvoir . فقد رفض أن يكون قاضيا بأجر حتى لا يرتهن للسلطة السياسية بمرتب وأصّر على حقه في أن يكون الصوت النقدي لمن لا صوت لهم. وقد وقف ضد العنف والفتنة ومشهور رأيه حين سئل عن الخيار في الفتنة والقتال:

"-لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء . فسئل: ولا مع أمير المؤمنين؟ فغضب وقال: نعم ولا مع أمير المؤمنين"(6). ونجد في مدرسة الحسن البصري أيوب السخياتي وفرقد السبخي ومالك بن دينار ومحمد بن واسع.. وقد دافع هذا الاتجاه عن حق العالم والمثقف والفقيه في الاستقلال التام عن السلطة وضرورة وجود سلطة اعتبارية أخلاقية تدافع عن المجتمع من جنوحات الحاكم.

منذ القرن الأول الهجري نشأت تحلقات عفوية على أساس سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو أكثر من هدف، حيث شملت هذه الظاهرة مجالس الأدب والعلم والدين حول عالم أو وجه اجتماعي. ومن أمثلة ذلك مجلس سكينة ابنة الحسين. ومنذ هذا القرن نلحظ بدايات ما أصبح يعرف لاحقا بتجمعات الوقف الخيري الصحي والتعليمي والمعاشي التي ازدهرت منذ الحقبة العباسية بشكل واسع.

وفي نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) بدأ ينتشر تقليد جديد يجمع أصحاب المهنة الواحدة في سوق خاص بهم وخلال قرن من الزمن نجحت الروابط المهنية الجديدة في انتزاع اعتراف القاضي والمحتسب بالسنة والعرف التي تعمل بها (أي الاعتراف بنهج عملها كمرجع قانوني للتنظيم و المحاسبة). وباختلاف الحقب كانت الخلافة تقر من ينتخبه الحرفيون شيخا للحرفة أو تفرض في الفترات الاستبدادية على الحرفة شخصا تسميه من أهل المهنة. وقد نظم أصحاب المهن أشكالا للتضامن تؤمن سوية مقبولة للمهنة وإقرار مستوى أسعار الصناعة وحماية أصحابها بأساليب سلمية بشكل عام. وانتشرت هذه الظاهرة في فلسطين وسورية والعراق ومصر وفارس والمغرب والأندلس وحتى قلب آسيا. ثم تراجعت مع سقوط بغداد والاضطراب السياسي الذي تبعه.

في حين أن التجمعات الإنسانية والخيرية أخذت تتميز في شكلين رئيسيين كما ينوه الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (من روائع حضارتنا): نوعا تنشئه الدولة، وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعا ينشئه الأفراد من أمراء وقواد وأغنياء ونساء (7).

ومن أهم المؤسسات الخيرية ما خص بناء المساجد ثم المدارس ثم المستشفيات. ومن المؤسسات الخيرية بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر، ومنها التكايا والزوايا لكل من شاء الانقطاع عن الدنيا للعبادة ومنها بناء بيوت خاصة للفقراء يسكنها من لا يستطيع الشراء أو الكراء. ومنها سقايات الماء في الأماكن العامة والطرق الطويلة. ومنها حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، وكانت كثيرة بين بغداد والمدينة وبين دمشق والمدينة وبين المدن والقرى الإسلامية. ومن المؤسسات الاجتماعية ما كان يعمل لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومن يتبرع بالأرض لتكون مقبرة عامة، وما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.

من المؤسسات الخيرية ما تخصص في اللقطاء أو اليتامى أو المقعدين والعجزة والعميان، يتوفر فيها السكن والغذاء والملبس والتعليم، ويخصص للمقعد والأعمى فيها من يقوده ويساعده ويقرأ له.

 ومنها المطاعم الشعبية التي كانت توزع الطعام لمن يحتاج من خبز ولحم وحساء وحلوى وقد بقيت هذه الظاهرة إلى القرن العشرين في تكية السلطان سليمان وتكية الشيخ محي الدين بدمشق، وكثرت حتى عمت أرض مكة في معظم الأزمنة والعصور. هذا ناهيكم عما يعرف بموائد الرحمن في مصر في شهر رمضان وموائد الإفطار في العديد من الدول الإسلامية التي تلونت بلون البلد وأعرافه وتقاليده، وهو تقليد  مازال يتبع حتى اليوم. وهناك أمثلة جميلة بأفكارها من شبه الجزيرة الهندية وبلاد فارس عن موائد الخير للمحتاجين.

من طريف الجمعيات الخيرية تلك التي تسهّل شؤون الزواج للمحتاج. سواء بنفقة الزواج أو دفع المهر، وأخرى تمد الأمهات بالحليب والسكر. ويروى عن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل ميزابا يسيل منه الحليب وآخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر. والعديد من الجمعيات كانت للرفق بالحيوان وخاصة الحيوانات المريضة أو المسنة التي يتركها أصحابها. ومن المعروف أن الملعب البلدي لكرة القدم في دمشق عرف قديما بالمرج الأخضر كونه كان وقفا للخيول والحيوانات العاجزة المسنة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.

وفي عصر تمنع فيه السلطات السياسية جمعيات مساعدة السجناء في أكثر من 30 بلدا إسلاميا من المفيد التذكير بأخلاق التعامل مع السجناء والأسرى في التاريخ العربي الإسلامي:

فمن الحقوق الأساسية للسجناء التي ابتكرها المجتمع العربي الإسلامي في القرن الأول الهجري ووقع للأسف تراجعها ثم تناسيها مع الأيام. صدقة السجين أو الأسير. ووفقا لمؤلف كتاب الخراج أبي يوسف والعديد من المؤرخين، فإن أول من أقر صدقة أهل السجون هو الإمام علي بن أبي طالب في العراق ثم فعل ذلك معاوية بن أبي سفيان في الشام  من بعده والعديد من الخلفاء. وتعود فكرة صدقة السجين إلى الآية القرآنية " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" . والأسير في لسان العرب كل محبوس في قدّ أو سجن وعند اللغوي مجاهد: الأسير المسجون. وفي حكمة تخصيص السجين بصدقة كاليتيم يقول الثعلبي : "ليس الأسر بعاهة ، ولكنه لما أصيب بالأسر صار كالجريح واللديغ" ، وذكر أكثر من فقيه أن  "لا عقوبة في العقوبة والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة". الأمر الذي ينسجم تماما مع القواعد الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة و التي تعتبر السجن بحد ذاته عقوبة وبالتالي لا معنى لأن تغلظّ بإساءات أخرى.

حدد الخليفة عمر بن عبد العزيز في إجراء الصدقة على السجناء ما يصلحهم في طعامهم وحاجياتهم بتعيين شخص من خارج المؤسسة العقابية للإشراف على ذلك وقد طالب في رسالة له أن "يتولى رجل من أهل الخير والصلاح مهمة تثبيت أسماء من في السجن ممن تجري عليهم الصدقة وتكون الأسماء عنده ويدفع ذلك إليهم شهرا بشهر ، يقعد ويدعو باسم رجل رجل ويدفع له ذلك إليه في يده، فمن كان منهم قد أطلق وخلي سبيله رد ما يجري عليه، ويكون للأجراء عشرة دراهم في الشهر لكل واحد ، وليس كل من في السجن يحتاج أن يجري عليه، وكسوتهم في الشتاء قميص وكساء وفي الصيف قميص وإزار ومقنعة". ولعل هذه المساعدة للسجناء من أسباب عدم وقوعهم في الفاقة وتسهيل إعادة تأهيلهم. وقد تعزز هذا الإجراء بولادة مؤسسات خيرية تهدف لتحسن أحوال المساجين وتأهيلهم التعليمي وتغذيتهم بالغذاء اللازم لصيانة صحتهم، ونظافة السجون وتعليم صنعة أو كار لمن يحتاج ممن أنهى سجنه(8).

هذا التاريخ بغناه وتنوعه، يرد على كل من يقول بأن التجمع الأهلي غير الحكومي ظاهرة غريبة عن المجتمعات العربية و/أو الإسلامية، خاصة أصحاب الأطروحات الشمولية التي تربط كل شئ بالخلافة أو الاتجاهات التسلطية العلمانية في كل مدارس الحزب القائد الذي يفرخ منظمات شعبية على مقاسه ولخدمته.

مع عودة طموح النهضة في القرن التاسع عشر عادت فكرة المنظمات غير الحكومية إلى الوجود في العالم العربي، حيث فتحت مصر ولبنان الباب منذ النصف الأول في ولادة جمعيات دينية وخيرية. وقد بدأت الجمعيات ذات الدور الثقافي التنويري بالتواجد، علنا أو سرا، في النصف الثاني من القرن الماضي، في سورية وفلسطين وتونس والعراق. ولعل أول من دافع عن فكرة المجتمع المدني وامتلاكه تعبيراته المستقلة في العالم العربي عبد الله النديم (1845-1896م). فهو أول عربي أعطى الأولوية للجمعيات غير الحكومية على العمل السياسي بالمعنى الحزبي أو المباشر واعتبر الشارع والقرية المدرسة الأولى للإصلاح والنهضة وآثر السياسة كفن، بالمعنى اليوناني النبيل للكلمة، على ما أسماه "السياسة العملية الإدارية". (9).  زرع عبد الله النديم بذور أفكاره في مصر وفي منفاه في يافا وفي مجلة "الأستاذ" التي كانت مرجعا لجيلها.  

افتتح فرح أنطون هذا القرن بترجمة إعلان حقوق الإنسان والمواطن إلى العربية مطالبا بتعليم حقوق الإنسان في المدارس. (10). وإن بدأت طلائع الأفكار الديمقراطية وما عرف بمؤيدي المشروطية (أي الدستورية) في مصر وتركيا والعراق  وسورية ولبنان وإيران تتحدث عن الحقوق الطبيعية للإنسان خاصة في صفوف الاتجاهات الدستورية الناشئة، فقد بقيت قضية حقوق الإنسان محصورة بأقلام متنورة أكثر منه اتجاها ثقافيا أو اجتماعيا عاما. وقد لعب عدد من الشخصيات الاعتبارية كجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد حسين النجفي النائيني دورا هاما في تعزيز فكرة الشورى والمشاركة بين الحاكم والمحكوم في تنظيم الشأن العام.

في هذا الوقت، كانت نشأة الجمعيات المستقلة مستمرة في كل البلدان العربية. وفي حين قبلت الإدارة الإنجليزية في مصر فكرة حق الناس في تشكيل جمعيات مهنية وثقافية وفنية مبكرا، علينا انتظار 24 أبريل/نيسان 1912 لمطالعة نص القانون العثماني لتنظيم عمل نقابات الحرف والصنائع والذي بقي ساري المفعول في بلدان الانتداب الفرنسي (سورية ولبنان) والإنجليزي (كفلسطين وشرقي الأردن). يقرر هذا القانون في مادته الأولى إلغاء جميع النقابات القديمة وحق كل حرفة وصنعة في تشكيل نقابة مستقلة. من جهة ثانية، كان لإقرار الدستور في تونس عام 1861 أثره في تعزيز فكرة حرية التنظيم الأهلي في هذا البلد ولو أن هذا الدستور لم يعش طويلا. كذلك كان الأمر بالنسبة للدستور العثماني من بعده في 1876 والإيراني في 1906 وإعداد المتنورين في المغرب الأقصى لدستور أكتوبر/تشرين الأول  1908.

كذلك برزت أسماء عربية للدفاع عن حقوق الإنسان مثل محمد مندور ومحمود عزمي ورياض شمس الدين في مصر، ادمون رباط وسامي الكيالي ونجاة قصاب حسن في سورية، وشارل مالك  ورئيف خوري وسليم خياطه في لبنان وعلي الوردي في العراق(11).

 بعكس منطق الأشياء، كان عام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العالم العربي عام النكبة بولادة دولة إسرائيل مع ما رافق ذلك من خلق حالة شك عامة بالأمم المتحدة  ومؤسساتها في الشارع العربي. وفي حين كان العالم يعاود اكتشاف روابط حقوق الإنسان لم تتشكل أية منظمة عربية حتى بداية الستينات. وبقيت دعوة رئيف خوري في 1949 للمثقفين اللبنانيين إلى تشكيل جمعية مستقلة لحقوق الإنسان دستورها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون استجابة (12). وعلينا انتظار 1962 لقيام أول رابطة عربية لحقوق الإنسان(13).

لم تنضج إذن فكرة منظمة غير حكومية مرخص بها لحقوق الإنسان في بلد عربي حتى عام 1962 أي قرابة قرن بعد أول دستور في هذا الجزء من العالم وقرن ونصف على ولادة أول جمعية خيرية في الأزمنة العربية الحديثة. ولعل السبب في هذا، كون الجمعيات الخيرية والإنسانية قد زرعت جذورها في الوعي الجماعي عبر قرون طويلة، الأمر الذي جعل تغيير قوانين الجمعيات مسألة شكلية أمام تقاليد التعاون والإحسان والتضامن والمساعدة في التاريخ العربي الإسلامي، التي أصبحت في الثقافة الشعبية، ليس فقط ضرورة لاقتصاد العنف وتقليل حالات العوز وتخفيف مأساة الناس، وإنما واجب ديني بكل المعاني الإيمانية التي تعرفها المجتمعات الإسلامية على اختلافها.

تأثرت الجمعيات الإنسانية والخيرية بنشوء الأنموذج التسلطي للحكم. وقد تراجعت بشكل كبير في أشكال الدول "الحديثة" التي تركت التقاليد الجيدة في المجتمع العربي والسمات الجيدة في المجتمع الغربي، وهكذا وفي حقبة زمنية قصيرة، تراجع عدد المنظمات الأهلية في العالم العربي في وقت كانت المنظمات غير الحكومية تحقق ثورتها السلمية الهادئة على الصعيد العالمي. ومنعت جمعيات لحفظ الكتاب وتشغيل العجزة باسم ارتباطها بتيار سياسي معارض أو استعمالها من حزب ممنوع. وتم تأميم الأندية الثقافية والرياضية والنقابات. وأصبح تشكيل تجمع أهلي يعاقب عليه بالقوانين الاستثنائية. الأمر الذي حصر هذه الظاهرة في عدد كبير من الدول العربية بما يمكن تسميته دون تجن "بالجمعيات الحكومية و شبه الرسمية".

إلا أن تفسخ منظومة الحزب الواحد والسلطة الشمولية، ووقوع حروب تحرير أو حروبا أهلية في عدد من الدول العربية والإسلامية أعاد الاعتبار والحاجة للمنظمات الإنسانية والخيرية. واستطاعت التجربة الفلسطينية في المنفى أن تشكل دعما كبيرا للصمود الفلسطيني في المخيمات وتحت الاحتلال، ونجحت الجمعيات الأهلية في فلسطين في حفظ تماسك النسيج المجتمعي والوعي الوطني والمواطني في الظروف اللا إنسانية للاحتلال. كذلك كان للمأساة الأفغانية دورا كبيرا في نمو هذه الظاهرة في بلدان الخليج والجزيرة العربية. ساعد على ذلك ترافق الاحتلال السوفييتي لأفغانستان بارتفاع مستوى المعيشة في هذه البلدان من جراء تحسن أسعار النفط.

وإن أخذت معظم الجمعيات الإنسانية الخليجية المنشأ طابعا إسلاميا، إلا أن هناك فارقا كبيرا فيما بينها سواء كان ذلك على صعيد طبيعة العلاقة مع المؤسسات الرسمية كهيئة الأمر المعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية، أو بالعلاقة مع الحركة الإسلامية السياسية أو الحركة السلفية، وأخيرا في العقدين الأخيرين، على صعيد ما يعرف بالحركة الجهادية.

لقد تمكنت المنظمات الإنسانية الإسلامية  من تعلّم دروس كبيرة من المنظمات الإنسانية العالمية والغربية، واستطاعت أن تغطي المناطق التي لم تهتم بها المنظمات الغربية أو المتأثرة بالمشهد الغربي. ورغم وجود عناصر نشطة لاتجاهات سياسية راديكالية في صفوف بعض هذه التنظيمات، إلا أنها تمتعت بمهنية عالية وأمانة قللت من حوادث الفساد والاستعمال السيئ للمال العام. الأمر الذي لم يشكل قاعدة عامة في أوساط الجمعيات الأهلية ذات الموارد الجيدة دينية كانت أم علمانية. الأمر الذي لا يغيب عنا وقوعها في المرض العالمي المسمى بالاحتواء: فلسمعتها وثقة المجتمع بها، صارت هدفا للعديد من الحركات السياسية المحظورة ومتنفسا للعديد من الأنظمة السياسية غير القادرة على تسويق بضاعتها السياسية.

من المعروف أن هذه الظاهرة موجودة في الغرب، وأن وزارات التعاون والخارجية في البلدان الشمالية تفبرك عند الحاجة منظمات حسب الطلب في وقت الحاجة أو الأزمات. ولكن الفارق، أنه في الدول الأوربية مثلا حيث هناك مجتمعات مدنية قوية، تتعايش هذه الظاهرة مع الجمعيات غير الحكومية والمستقلة قولا وفعلا، في حين أن ضعف المجتمع المدني في بلدان الجنوب ينعكس بشكل قوي ومؤثر على ظاهرة الجمعيات الخيرية والإنسانية عند كل محاولة توظيف أو اقحام في المشاريع الحزبية أو السلطوية.

رغم نقاط الضعف العديدة التي نبصرها في البلدان الجنوبية، أصبحت الجمعيات الخيرية تشكل خطرا على الحكومات المحلية والتدخلات الخارجية القسرية بل وعلى النظرة الغربية للعمل الأهلي التي تتأثر بالرأي العام الغربي في تحديد أجندتها. وأعطي مثلا بسيطا يظهر إلى أي مدى ولأي سبب أصبحت هذه الجمعيات  مصدر إزعاج: اضطرت المنظمات الأهلية باستمرار للاستعانة بمنظمات غربية لفضح الممارسات الإسرائيلية. وكان عدد من المنظمات الغربية يرفض الحديث عن فلسطين دون التذكير بأمن إسرائيل والاعتراف بها. فما من قرار يتحدث عن حق تقرير الشعب الفلسطيني إلا ومن الضروري أن يؤكد على الاعتراف بدولة إسرائيل وحقها في حدود آمنة في مقارنة بين شعب بلا حقوق مع دولة متخمة بالامتيازات. بل لقد أصبح هناك شبه تقليد يقوم على أن تكريم أي فلسطيني قام بعمل إنساني جليل يجب أن يترافق مع تكريم إسرائيلي ولو لم يكن هناك شخصية إسرائيلية قامت بعمل متميز في نفس العام. وقد وافق العديد من النشطاء الفلسطينيين على هذا الشرط خوفا من الحرمان من المساعدة الخارجية أو الإبعاد عن الأوساط الشمالية. وعندما تواجدت الجمعيات العربية والإسلامية بقوة أكبر، اختلفت طبيعة العلاقة، واختلف مستوى الأداء حيث أفضل الدراسات هي تلك المعدة محليا وجنوبيا. وأصبحت المعادلة تقوم على ضرورة التفكير بشكل عالمي لا بشكل غربي. لأن نشطاء الجنوب يمتلكون مؤسساتهم ويرفضون أي علاقة إرغام أو هيمنة، ويطمحون لتعاون متكافئ قائم على الاحترام المتبادل والتكامل الضروري.

إن الهجمة التي تتعرض لها اليوم المنظمات الإنسانية الإسلامية والجنوبية، تفترض منا إعادة نظر وتقييم لتركيب ودور وأداء هذه المنظمات، وليس فقط الاحتماء بدور الضحية. فنقاط الضعف في مثيلاتها الغربية لا تبرر بحال غض النظر عن مشكلاتها الداخلية والخارجية. فمن جهة، ليس هناك من معنى للمطالبة بتحييد هذه المنظمات في كل ما يتعلق بتصورها الخاص للعالم، ولكن من الضروري عدم زجها في الصراعات المباشرة والتوظيف المبتذل. فقد تجاوزت هذه الجمعيات، شاءت أم أبت، وعت ذلك أم لم تعيه، مهمتها الآنية لسد رمق عائلة أو تعليم يتيم أو تخفيف مآسي الحروب، لتصبح إحدى الضمانات المركزية لتماسك النسيج المجتمعي في دول الجنوب. وبهذا المهنى، فهي لم تعد ملكا لبرنامج سياسي حزبي بقدر ما هي ملكية عامة للمجتمع.

هذه المكانة المركزية المتزايدة طردا مع الضغط الخارجي والحاجة الداخلية، هي التي تجعلنا نطالب ببناء شبكات تواصل بين النخب الثقافية والمبادرات المجتمعية والمنظمات الحقوقية في طموح تحسين الأداء اعتمادا على الدراسات والمسوح الميدانية السوسيولوجية الممهدة لتقييم نقدي لتجربتها، الأمر الذي يسمح بتشريح المشكلات البنيوية والوظيفية من جهة، ويفسح المجال لتجاوز نقاط الضعف الحالية نحو الأفضل.

 ----------------------------------------------------------------

ملاحظات

1) أنظر مادة : صعصعة التي أعدها الدكتور منصف المرزوقي للموسوعة العالمية المختصرة، الإمعان في حقوق الإنسان، الأهالي، بيروت-دمشق، 2000.

   2) هيثم مناع، حقوق الطفل في الثقافة العربية الإسلامية، رواق عربي، العدد الثاني، إبريل 1996، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان   الترجمة الانجليزية:Haytham Manna, Child Rights in the Arab-Islamic Culture, Riwaq Arabi, n 1 of the English edition, January 1997

إلى أن حّرم الإسلام قتل الأطفال خوفا من الجوع أو العار، فجاء في القرآن: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا". يمكن القول أن من أولى حقوق الطفل منذ هذا الحدث الذي عرفته الشعوب في تواريخ وحقب مختلفة كان حق الطفل في الحياة وبداية استثنائه من كل ما يمكن أن يكون سببا في تعرضه لحكم يحرمه من الحياة أو للقتل في السلم والحرب.

3) أنظر مادة حلف الفضول في: هيثم مناع، الإمعان في حقوق الإنسان، موسوعة عالمية مختصرة، عام 2000 ، دار الأهالي

4) أنظر: الدكتور مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، الطبعة الخامسة، المكتب الإسلامي، بيروت، 1987، ص 124.

5) نفس المصدر،124-125.

6) أنظر مادة الحسن البصري في موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان أيضا.

7) الدكتور السباعي، مذكور، ص 125، ويعتمد المقطع التالي على هذا الكتاب وكتاب الدكتور الشطي حول الطب عند العرب.

8) مادة صدقة السجناء، الإمعان في حقوق الإنسان، مذكور.

9) نفس المرجع، مادة : عبد الله النديم.

10) نشر في مجلته الجامعة في عام 1901 ، أعيد نشره في رواق عربي ، العدد 4 ، أكتوبر 1996 ، ص 148-151 وفي: هيثم مناع: طفولة الشيء، المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي، منشورات الجمل، ألمانيا، 1999 .

11) منذ كتابه مقدمة السوبرمان ، يفتح سلامه موسى النقاش حول الفرد ودوره وحقوقه الأمر الذي تابعه في الثلاثينات والأربعينات في "المجلة الجديدة" وكتاباته عن النهضة.  وكان لادمون رباط وسامي الكيالي عبر مجلة "الحديث"  التي صدرت في حلب دورا كبيرا في تعزيز الأفكار الديمقراطية  وبقي ادمون رباط مخلصا لفكرة الدولة الدستورية وضرورتها في العالم العربي. وفي المغرب العربي كان للطاهر حداد دورا كبيرا في التوجه النهضوي الإصلاحي وزرع ثقافة المجتمع الناضج الذي لا يحتاج لوصاية الدولة أو الحاكم.

12) في مقالته : إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته جامعة الأمم المتحدة: نواقصه، نواحيه الإيجابية، واقتراح على المثقفين اللبنانيين، في: طفولة الشيء، مذكور، ص 75-84.

13) انظر حول هذا الموضوع : هيثم مناع : عرض تاريخي لحقوق الإنسان في العالم العربي، مقدمة الكتاب الجماعي : سلامة النفس و الجسد ، التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين ، 10/12/1998، اللجنة العربية لحقوق الإنسان (بالفرنسية والعربية).

 عودة               

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988