وجهة نظر موجزة: دور مؤسسات المجتمع المدني في زمن الحرب

عبلة محمود ابو علبة  عضو المكتب الدولي للمنظمات الخيرية والانسانية

ابحث في الصفحة
=============

7 – 10 / 9 / 2007م

استانبول

طرأت متغيرات نوعية على ادوار مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية منذ اواخر القرن الماضي، وبالتزامن مع هيمنة سياسات القطب الواحد، وتطبيق برامج صندوق النقد والبنك الدوليين، الذي أحال كل المنجزات الوطنية في بناء المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية الى اقتصاد السوق .

فقد نشأت مؤسسات المجتمع المدني في العصر الحديث – ما بعد حقبة الاستعمار - ، في جو من النهوض السياسي الوطني والقومي، وقامت هذه المؤسسات بوظائف بنائية اساسية في مرحلة الاستقلال والبناء بغض النظر عن المستوى الذي وصلت اليه هذه المرحلة، وما أسست له فيما بعد داخل المجتمعات العربية’ فقد ازدهر دور النقابات المهنية، والاتحادات الطلابية والجمعيات والاحزاب، بمختلف تلاوينها وقدمت حصيلة هامة من الثقافة الوطنية الديمقراطية ودورا جوهريا في تنظيم فئات المجتمع وتوجيهها صوب المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي . (( وليس المقصود هنا ان مؤسسات المجتمع المدني قد نجحت في تحقيق هذا الهدف، وبنفس النسبة في البلدان العربية ذات الانظمة السياسية المتباينة )) .

استندت هذه المؤسسات كما نعلم جميعا على فئات الطبقة الوسطى التي نمت وتطورت صعودا في الستينات والسبعينات وحتى منتصف الثمانينات في ظل عمليات التحديث الاقتصادي وفي اطار عالمي متوازن وداعم لحركات التحرر العربية واتجاهاتها الثورية وبرامج عملها الداعية الى التغيير.

في بداية التسعينات بدأت تتعرض هذه المؤسسات لعوامل قادت الى تغيير نوعي في ادوارها .. وهي ذات العوامل التي ادت الى التحولات النوعية الهائلة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية – فاضافة الى  المؤثرات الدولية والتحولات الوطنية المتزامنة معها .. فان ما زرعته هذه المؤسسات في زمن السلم واثناء مراحل البناء حصدته في زمن الاحتلالات والصراعات الدموية الداخلية.

-موسسات المجتمع المدني العربية حملت مشروعا اصلاحيا . وتحديثيا للمجتمعات العربية، ولكن دون ان تتطابق هذه الاهداف مع القوانين التي اعتمدتها في العلاقة مع الدولة والمجتمع ومع آليات العمل في توسيع نطاق حركتها بحيث تشمل تنظيم وتثقيف وتعبئة وتوجيه أوسع الفئات الاجتماعية واعتماد قوانين تشكل نموذجا ديمقراطيا في تداول السلطة على مستوى المؤسسة. فقد شهدنا ولا نزال , انظمه انتخابيه متخلفه داخل هذه المؤسسات ونخب اجتماعيه حاكمه لها منذ عشرات السنين, وبرامج عمل غير ديناميكية لا يتم تقييمها ومراجعتها.

ان تناول هذا العنصر من الزاوية النقدية في تراث عمل مؤسسات المجتمع المدني لا يعني مطلقا التقليل من دورها البنائي والتحديثي في الحقبة المشار اليها، ولكن ترسيخ الديمقراطية السياسية والاجتماعية ، ممارسة، وثقافة، وحياة يومية ،غابت عن الحياة الداخلية لهذه المؤسسات التي ركزت جل اهتمامها على طبيعة البرامج الموجهة للمجتمع والتي غالبا ما كانت برامج ذات طبيعة محددة بالدفاع عن مصالح فئات اجتماعية معينة.

في زمن الحروب الاحتلالية والصراعات الدموية التي تسود الان معظم المجتمعات العربية وفي الوقت الذي ادخلت فيه سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين : عاملاً رئيسياً في تنظيم اقتصاد المجتمعات وما نشأ عنه من اختلالات وعلاقات اجتماعية مشوهة، اتجهت معظم مؤسسات المجتمع المدني نحو عولمة علاقاتها على حساب البرامج الوطنيه، او الانكفاء في اتون الصراعات الداخلية المريرة والانحيازات الفئوية ذات الابعاد الدينية والاثنية والطائفية وقليلة هي المؤسسات التي وضعت لنفسها استراتيجية جديدة قائمة على المبادرة نحو الدفاع  عن القيم الوطنية والقومية والانسانية في مواجهة عاصفة التغيير الفوضوي والاستقطابات الاجتماعية الداخلية العامودية الحادة ذات الابعاد الفئوية التدميرية.

لقد مضى وقت طويل منذ بدأ التغيير السلبي على وظيفة مؤسسات المجتمع المدني العربية واصبح قسم كبير منها في عداد الرديف لفردانية السلطة الاستبدادية، أو مناهضتها ولكن على اسس اخرى فوق وطنية أي الاستقواء بمنظمات دولية وخارجية، على الدولة الوطنية، بعيدا عن تعميق الصراع السلمي والاجتماعي القائم على الدفاع عن الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني ومبادىء الدستور وحقوق المساواة في المواطنة, فهل ستتمكن المؤسسات والحالة هذه من احداث أي نوع من التغيير والتقدم الى الامام في حياة المجتمعات العربية التي تعاني نتائج الاحتلال الاجنبي او الصراعات الدموية الداخلية ؟

ليس مفيدا هنا تقديم اية اجوبة نظرية – ولكن يمكن الاشارة الى عدد من العناصر  الهامة في محاولة للبحث عن اجابة جدية:

1-  علاقة المؤسسات بالوحدة الداخلية في المجتمع الواحد:

ان تعميق مفهوم الدفاع عن المصالح الاجتماعية العامة, في مواجهة الدفاع عن المصالح الخاصة التي تمثلها السلطة الحاكمة في سياسات المؤسسات من شانها ان تشكل اساسا دفاعيا جوهرياعن وحدة المجتمع الواحد ومهما كانت وجهة السلطة على المستويات السياسية والاغاثية والاقتصادية, فان المطلوب والحالة هذه هو عدم الانحياز لاطراف الصراع الداخلي خصوصا الصراع الذي يحمل ابعاداً انقسامية وتدميرية داخلية.

اما في الصراع الوطني مع العدو المحتل, فهذه قضية لا تخضع للخيارات ولم نشهد على اية حال في مجتمعاتنا العربية ما يخالف قاعدة مقاومة الاحتلال ولكن ليس هذا وحده هو المطلوب؟ بل يجب ان تترافق استراتيجية مقاومة الاحتلال – اقصد المقاومة المدنية – باستراتيجية  تعميق المفاهيم الديمقراطية والانسانية: المساواة, والحرية والعدالة. ومن الخظا الفادح التذرع ببرنامج المقاومة, السياسي والاجتماعي, وتغييب العامل الديمقراطي والعلاقة الديمقراطية مع الجمهور الذي نتحدث باسمه والمجتمع الذي ندافع عن هويته المدنية.

2-  هوية المؤسسات وطنية ام عالمية –

تدافع العديد من مؤسسات المجتمع المدني العربية عن رؤيتها الاجتماعية العالمية بديلاً للدفاع عن المصالح المجتمعية الوطنية والخاصة. ان التحول الكبير في وظيفة المؤسسات بهذا الاتجاه, من شانه حرف وظيفة المؤسسات, والاسهام في عزلتها, اضافة لما تنتجه من تشكل نخب اجتماعية مثقفة ومتنورة.. ولكنها معزوله وحصادها لا يثمر داخل الوطن بل خارجه.

ان هوية المؤسسسة الوطنية يجب ان تترابط مع وظيفتها كمؤسسة مجتمعية في برامجها واتجاهات عملها ودفاعها عن مصالح المجتمع او فئات محددة في اطار الدفاع عن مصالح الوطن والمجتمع بشكل عام, دون ان يعني ذلك ولو للحظة واحدة الانعزال عن التطورات العالمية وضرورة توطيد العلاقات العربية البينية والعالمية على اسس من الاحترام والمنافع المتبادلة والقيم السياسية والاخلاقية المشتركة.

3-  اعتماد استراتيجية معلنة وواضحة, في مواجهة عوامل التدمير المنهجي للحياة المدنية ومقومات السلم الاهلي...

ان مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة الاستعصاءات الكبرى, معنية بوضع استراتيجيات جديدة ذات طابع دفاعي مقاوم للقيم اللانسانية التي افرزتها سياسات اقتصاد السوق وعولمة راس المال ونهب المال العام بعيدا عن القانون والتشريعات. ومن المعروف والحالة هذه ان موازين القوى مختلّة تماماً لغير صالح قوى الحداثه الاجتماعية على المستوى الوطني, لذا فان بناء عوامل القوة الذاتية يستند اساسا الى وجود استراتيجية عمل موحدة ومتفق عليها ليس في اوساط النخب فقط, بل ضمن اوسع اطر اجتماعية ممكنة. ونقل حيز المؤسسة من المساحات الاضيق الى المساحات الارحب باختصار مطلوب منها ان تتبنى برنامج مقاومة مدنية يقوم على   اوسع قاعدة اجتماعية ممكنه, وليس على طاقات افراد مثقفين وذوي خبرة في العمل العام.

لقد تعرضت الحياة المدنية في كل من فلسطين, العراق ولبنان, الى عملية تدمير منهجية, لم يحدث مثل شراستها في التاريخ الحديث, وطالت ليس الحقوق المدنية والانسانية فقط بل تجاوزت كل القيم الاخلاقية المتعارف عليها والى جانب ذلك تعتمد قوى الاحتلال احلال  ثقافة بديلة للثقافات والقيم السائدة – وفي مواجهة كل هذا التدمير للحياة المدنية...لا يعقل ان تبقى المؤسسات مكتوفة الايدي وتقتصر مهامها على الخدمات الاغاثية الطارئة وفضح السياسات المعاديه لمجتمعاتنا, وتجاهل ضرورات البرامج الموحدة والفعالة والاستقطابية لكل فئات المجتمع بما في ذلك البعد الثقافي والدفاع عن القيم الانسانية النبيلة, وتصويب كل الاتجاهات الداعية الى تعميق الاستقطاب في المجتمع الواحد.

في هذا الاطار كان مستغربا الدور الذي قام به عدد من المثقفين العرب تجاه الصراع الداخلي الماساوي في فلسطين, بالانحياز هنا وهناك بديلاً لاعادة الاعتبار لثقافة وضرورة الوحدة الداخلية في مواجهة العدو القومى العنصري الذي يعلن منذ قيام دولته على ارض فلسطين وحتى يومنا عن برنامج ذي طبيعة عنصرية معادية ليس فقط للحياة المدنية, بل لوجود شعب بكامله.

4-   في مواجهة سلطة الاستبداد السياسي وفي ظل نظام لا يقر بالتعددية السياسية والفكرية ويسعى لاستقطاب مؤسسات المجتمع المدني بالقوة تصبح مهمة الدفاع عن الديمقراطية بصفتها ناظم للعلاقات الاجتماعية, ومنظم مدني للصراع الاجتماعي السلمي, امرا صعبا ولكنه خيار لا بد منه.

ان عملية الهروب الى الامام والاستقواء بسلطة الخارج على السلطة الوطنية الداخلية تحمل معها مخاطر الابتعاد عن المصالح الاجتماعية والوطنية.

فلم يحدث في التاريخ الوطني الفلسطيني والعراقي واللبناني الحديث ايضا, ان كانت اليد الاقليمية والدولية ممتدة الى هذا الحد في المعدة العربية, هذا التدخل ذو المنحى السلبي, يستند الى مصالح تلك الدول التكتيكية والاستراتيجية وتحالف مع السلطات والانظمة الوطنية في مواجهة الخصم الداخلي السياسي والاجتماعي.

ونتيجة لهذه السياسة, فقد ازدادت الهوة كثيرا بين الانظمة السياسية ومجتمعاتها وازداد ارتباط هذه الانظمة بالقوى الخارجية على حساب كل عمليات التنمية السياسية والاقتصادية الوطنية, واصبح من السهل عليها ادارة الظهر لمؤسسات المجتمع المدني او اقصائها او الغائها وتدميرها بالقوة.

مؤسسات المجتمع المدني ذات الطبيعة الوطنية والديمقراطية, معنية والحالة هذه بتعلم الدروس... واولها عدم الاعتماد على القوى الخارجية في بناء قوتها الذاتية, بل الاعتماد على الشعب والمجتمع المضطهد والمقهور والمستلب, وتعزيز مكانتها في صفوفه, وعلى هذه المؤسسات ايضا ان تعلم انه مهما بذلت من جهود, فلن تصل مرحلة تستطيع فيها ان تقوم بدور ثوري في المجتمع وهي تستقوى بقوى خارجية لها اجندتها الخاصة ومصالحها المحددة. وستفقد والحالة هذه شرعيتها الشعبية التي هي اهم مقومات قوتها الذاتية.

لقد ارتبط مفهوم المجتمع المدني ولفترة طويلة بعملية التحول الديمقراطي داخل المجتمع, وعليه يصبح لزاما على هذه المؤسسات في العصر الذي نعيش بتعقيداته واعبائه ان تصبح مدرسة في تعلم اساسيات العمل الديمقراطي وان تدافع عن دورها المفقود في الدفاع عن الحريات وتعددية الاراء واحترام المعتقدات والمساواة في المواطنة وحقوق الانسان...

في مواجهة سياسات الاستبداد العالمية وهيمنة القطب الواحد, لا بد من ان يدخل هذا العنصر كعامل رئيسي في الاستراتيجية الموحدة للمجتمع بفئاته المختلفة وتلاوينه السياسية والفكرية, وبالنظر الى القوانيين السائدة للنقابات والجمعيات والمؤسسات والاحزاب السياسية, نجد كماً هائلاً من القيود على حرية حركتها بسبب التنازع على الهيمنة على المجتمع.

فالسلطة السياسية تريد الهيمنة على المجتمع بوسائط الاستبداد وقوة النفوذ اما مؤسسات المجتمع المدني فيجب ان تكون لها الياتها الاخرى المعاكسة تماما اذا ما ارادت ان تحافظ على رسالتها التنموية والاصلاحية.

لقد وصلت الامور مرحلة الازمة المتسفحلة: النظام السياسي يعاني ازمة الانعزال عن الشعب والامعان في الخصومة معه, ومؤسسات المجتمع المدني تتعرض لتغيير نوعي في ادوارها: فهي اما منحازة للسلطة السياسية المستبدة, او على خصومه معها ولكن بالتحالف مع قوى اجنبية..

جوهر الازمة يكمن في ان مصدر القوة الذاتية للطرفين وهو المجتمع, هو الغائب الاكبر عن العملية الديمقراطية, ومعرض لمخاطر الاستقطابات الحادة في المجتمع الواحد, وهو قيد الاستخدام والتجييش والضغط العقائدي في عمليات الانتخابات البرلمانية, بعيدا عن حقوق المواطنة – وتشجيع حل الاختلافات بالطرق السلمية.

لقد وصلت الامور حد الخطر الحقيقي على انجازات مؤسسات المجتمع المدني طوال العقود الماضية... فالعدو القومي له اليد الطولي في تخريب هذه المنجزات, وغياب الديمقراطية المقوننة والدفاع المنهجي عنها ثقافة وممارسة هو عامل يسهم في غياب الدور الفعلي لهذه المؤسسات.

الحل ليس بعيداً وليس فورياً بحكم موازين القوى, ولكن دعونا نبدا الخطوة الاولى نحو اصلاح حقيقي واعتماد استراتيجية دفاعية فيها من الاجابات اكثر مما تتضمن من الاسئلة.

 عودة               

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988