العمل الخيري في المملكة العربية السعودية

 إعداد  د. صالح بن سليمان الوهيبي  الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي

ابحث في الصفحة
=============

 

1 ـ مقدمة:
العمل الخيري في العالم الإسلامي ذو تاريخ عريق من خلال الزكاة والصدقات والوقف والأحباس وغيرها. وقد قامت عليه جوانب كثيرة من حياة المسلمين من تعليم وصحة وموارد لبيت المال وغير ذلك. وقد حصل نوع من الانقطاع في جوانب من تلك التجربة المهمة لعدة أسباب ليس الهدف استقصاءها, منها في حسباننا الغزو الاستعماري الذي استهدف الأوقاف من أجل إضعاف المجتمعات المسلمة, ومنها أيضاً الاعتماد على الإنفاق الحكومي, وقيام السياسات التأميمية التي تأثرت بالتجربة الاشتراكية, وقيام الأنظمة الشمولية التي سعت إلى استبدال وضع جديد يخدمها بكل وضع قائم.
وقد استأثر بالوقف كثير من المؤسسات الدينية التي دخلت في حقبة ما في صراع مع المستعمر أو مع الحكومات المحلية؛ فكان عقوبتها أن أضعفت مؤسساتها الوقفية أو قُضي عليها كما حصل في مناطق عديدة من العالم الإسلامي, فاستولت الأنظمة على الوقف, ومن ذلك أوقاف كانت مخصصة للحرمين الشريفين في مناطق متعددة من العالم الإسلامي.
ومع ذلك لم تنقطع التجربة نهائياً وإنما اكتسبت أشكالاً إدارية جديدة, وعاد العمل الخيري إلى الساحة الإسلامية والدولية من خلال مؤسسات وأطر جديدة مستفيدة من التجارب الدولية في هذا المضمار, مع بقاء شيء من الموروث القديم ممثلاً في الأوقاف التي عادت بلدان إسلامية عديدة للاهتمام به مجدداً.
وفي (عام 1425هـ) مر العمل الخيري الإسلامي في المملكة خاصة والعالم عامة بمنعطف خطير تبدلت فيه أحوال, وأدت إلى عودة العمل الخيري الفردي الذي سبق قيام المؤسسات الخيرية. وأسباب هذا التغير هو ما وجهته بعض القوى الغربية إلى المؤسسات الإسلامية من تهم بدعم الإرهاب أو القيام بأعمال غير مشروعة من جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. وإننا ندرك أن هذه الادعاءات لا أصل لها, والهدف منها إجهاض مسيرة العمل الخيري في أنحاء عديدة من العالم, إذ لم تسلم المؤسسات الإسلامية والمساجد والمراكز الإسلامية في أمريكا من الدعاوى نفسها, مع أن كل هذه المؤسسات تعمل في وضح النهار. وقد صار وصم المؤسسات الإسلامية – أياً كانت – بدعوى مساندة الإرهاب أمراً متوقعاً لكل مؤسسة أو منشأة تريد أن يكون لها موطئ قدم في الساحة الدولية.
2- العمل الخيري ومؤسساته:
يمكن للدارس أن يقسم مؤسسات العمل الخيري في المملكة إلى فئات حسب المعيار الذي يتخذه؛ فإذا أخذنا معيار "مجال العمل" فإن المؤسسات يمكن أن تقسم إلى قسمين:
1- مؤسسات معنية بالعمل الخيري المحلي (الجمعيات والمؤسسات الخيرية).
2- مؤسسات معنية بالعمل الخيري العالمي.
وسوف نكتفي بهذا المعيار ناظرين ـ من ثم ـ في تطور كل قسم ومؤسساته اعتماداً على أن اهتمام كل منهما مختلف عن الآخر كما سنبينه.
أولاً: المؤسسات المعنية بالعمل الخيري المحلي
وهي التي تسمى عادة "الجمعيات الخيرية", وعدد المسجل منها لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية حتى إعداد هذه الدراسة (286) جمعية خيرية و(37) مؤسسة خيرية. وهنالك عشرات سواها كصناديق الأسر والأوقاف والمراكز المتخصصة في مجال معين, وهي غير مسجلة رسمياً مع أن لها برامج ومناشط كثيرة في نطاقها.
وتتميز الجمعيات الخيرية بعدة ميزات منها:
1- أنها تغطي معظم مدن المملكة الكبيرة والصغيرة وبعض قراها.
2- أنها تشرف عليها وترعاها وتمنحها الإذن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
3- أن لها أنظمة محددة وجيدة نسبياً وإن مرت بفترة كمون طويلة, وقد عادت إلى النشاط في السنوات الأخيرة.
4- أنها أقدم وجوداً من المؤسسات الخيرية العاملة على المستوى الدولي.
وإذا نظرنا في تاريخ الجمعيات الخيرية المحلية وجدنا أنها مرت بأطوار عديدة؛ وقد جعلنا الأطوار التي مر بها تأسيس الجمعيات الخيرية المحلية ثلاثة: فترة التأسيس, والفترة الوسيطة, وفترة التوسع, وتفصيل ذلك كما يأتي:
(1) فترة التأسيس:
وهي فترة الثمانينيات الهجرية من القرن الرابع عشر الهجري/ الستينيات من القرن العشرين الميلادي. وفيها ظهر عدد محدود من الجمعيات المحلية, المسجل منها فقط (8) جمعيات هي:
1) جمعية البر الخيرية بالمدينة – أسست في1/7/1379هـ (وسجلت لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في 4/6/1394هـ).
2) جمعية الصفا الخيرية بصفوى – أسست في 1381هـ (وسجلت في 24/11/1388هـ).
3) جمعية سيهات الخيرية – أسست في 24/10/1382هـ (وسجلت في 16/11/1416هـ).
4) الجمعية الخيرية النسائية في جدة – أسست في 12/2/1383هـ (وسجلت في 19/2/1383هـ).
5) جمعية اليقظة النسائية في الطائف – أسست في 17/2/1383هـ (وسجلت في 24/2/1384هـ).
6) جمعية النهضة النسائية بالرياض – أسست في 12/3/1383هـ.
7) الجمعية الفيصلية الخيرية النسوية بجدة – أسست في 24/3/1383هـ (وسجلت في 17/3/1395هـ).
8) جمعية القطيف الخيرية للخدمات الاجتماعية – أسست في 15/11/1383هـ (وسجلت في 6/4/1394هـ).
(2) الفترة الوسيطة:
وهي فترة التسعينيات الهجرية التي رخصت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية خلالها لـ(22) جمعية خيرية محلية في مناطق متعددة من البلاد نوردها على النحو التالي ذاكرين مكانها وتاريخ تأسيسها وتاريخ تسجيلها لدى الوزارة:
1- جمعية البر في الرياض – أسست في 28/1/1392هـ (وسجلت في 19/1/1393هـ).
2- جمعية الوفاء الخيرية النسائية – الرياض – أسست في 15/4/1395هـ (وسجلت في 25/12/1397هـ).
3- جمعية البر الخيرية – عنيزة – أسست في 23/2/1395هـ (وسجلت في 20/6/1396هـ).
4- جمعية أم القرى الخيرية النسائية – مكة – أسست في 23/2/1395هـ).
5- الجمعية الخيرية بمكة المكرمة – أسست في 16/8/1398هـ (وسجلت في 27/2/1399هـ).
6- جمعية الإيمان للخدمات الخيرية – جدة – أسست في 19/2/1399هـ (وسجلت في 4/6/1402هـ).
7- جمعية البر بمكة المكرمة – أسست في 23/4/1399هـ (وسجلت في 11/8/1403هـ).
8- جمعية طيبة الخيرية النسائية – المدينة – أسست في 17/5/1398هـ (وسجلت في 25/11/1399هـ).
9- جمعية البر والخدمات الاجتماعية الخيرية – ينبع البحر – أسست في 22/7/1398هـ (وسجلت في 28/1/1400هـ).
10- الجمعية الخيرية بخميس مشيط أسست في 18/9/1393هـ (وسجلت في 19/11/1394هـ).
11- جمعية البر بمنطقة الجنوب – أبها – أسست في 1/1/1394هـ (وسجلت في 19/11/1394هـ).
12- جمعية قرن ظبي الخيرية للخدمات الاجتماعية – بلاد زهران (منطقة الباحة) – أسست في 6/2/1398هـ (وسجلت في 26/10/1399هـ).
13- الجمعية الخيرية – جازان – أسست في 10/5/1399هـ (وسجلت في 16/4/1400هـ).
14- الجمعية الخيرية بحائل أسست في 29/11/1399هـ (وسجلت في 7/8/1402هـ).
15- جمعية البر بالمنطقة الشرقية – الدمام – أسست في 24/6/1397هـ.
16- جمعية الحليلة الخيرية للخدمات الاجتماعية – الأحساء – أسست في 1/4/1397هـ (وسجلت في 6/11/1397هـ).
17- جمعية البطالية الخيرية للخدمات الاجتماعية – الأحساء – أسست في1/7/1397هـ (وسجلت في 25/12/1397هـ).
18- الجمعية النسائية الخيرية للخدمات الاجتماعية بالدمام أسست في 9/8/1397هـ (وسجلت في 23/10/1398هـ).
19- جمعية المواساة الخيرية للخدمات الاجتماعية بالقارة – الأحساء – أسست في 15/4/1399هـ (وسجلت في 22/2/1400هـ).
20- جمعية البر بالأحساء أسست في 24/6/1399هـ (وسجلت في 19/2/1400هـ).
21- جمعية الأوجام الخيرية – القطيف – أسست في 12/4/1399هـ (وسجلت في 1/3/1400هـ).
22- جمعية الجفر الخيرية – الأحساء - أسست في 9/6/1399هـ (وسجلت في 9/2/1401هـ).
(2) فترة التوسع:
بدأت هذه الفترة بدخول القرن الخامس عشر الهجري ممتدة إلى وقتنا الحالي؛ إذ يعود إنشاء معظم الجمعيات الخيرية إلى سنة 1400هـ وما بعدها (أي 1980م وما تلاها)؛ ولا تزال تُفتتح جمعيات جديدة. وبلغ عدد الجمعيات التي رُخّص لها في هذه المدة حتى الآن حوالي (256) جمعية و(37) مؤسسة؛ هذا عدا الجمعيات المرخص لها سابقاً وهي (30) جمعية, وعدا عشرات الجمعيات غير المرخص لها من صناديق وغيرها. فعدد الجمعيات والمؤسسات المسجلة هو (323) حتى الآن.
وفي هذه الفترة ظهر نوع من الجمعيات الخيرية المتخصصة كأصدقاء المرضى وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم وجمعيات دعوة الجاليات التي سميت مكاتب دعوة الجاليات بعد إشراف وزارة الشؤون الإسلامية عليها.
ثانياً: المؤسسات المعنية بالعمل الخيري العالمي
الجمعيات المهتمة بالعمل الخيري الدولي جاءت متأخرة عن السابقة بعقد من الزمن, وهي مازالت قليلة العدد إذا قيست بنظيراتها في الداخل أو بما لدى الدول الأخرى. وقد شهد القرن الخامس عشر الهجري ظهور عدد منها؛ وسوف نضعها في النسق التاريخي الآتي:
(1) القرن الرابع عشر الهجري:
شهد هذا القرن نشأة عدد قليل من المؤسسات, لكنه كان بداية العمل المؤسسي الحديث في المملكة, والمؤسسات المعنية هي:
1- رابطة العالم الإسلامي: أنشئت في عام 1381هـ بموجب قرار صدر عن المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد بمكة المكرمة في 14 من ذي الحجة 1381هـ (الموافق 18 من مايو 1962م). ولها نشاطات خيرية تتمثل في دعم الجمعيات الإسلامية وبرامجها الدعوية والتربوية والاجتماعية. وتمثل الرابطة في كل من:
1- منظمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب؛ تحضر مؤتمرات القمة ووزراء الخارجية, وجميع مؤتمرات المنظمة.
2- هيئة الأمم المتحدة بصفة عضو مراقب بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بين المنظمات الدولية غير الحكومية ذات الوضع الاستشاري.
3- منظمة التربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) بصفة عضو.
4- منظمة الطفل العالمية (اليونيسيف) بصفة عضو.
والمجلس التأسيسي هو السلطة العليا في الرابطة التي تعتمد الخطط التي تتبناها الأمانة العامة للرابطة. يتكون المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي من (60) عضواً من الشخصيات الإسلامية المرموقة, يمثلون الشعوب والأقليات المسلمة ويعينون بقرار من المجلس. ويشترط في المرشح لعضوية المجلس التأسيسي أن يكون من الدعاة إلى الله ممن له نشاط مشهود في العمل الإسلامي.
ويجتمع المجلس دورياً لاتخاذ القرارات فيما يعرض عليه من البحوث والقضايا التي تقدمها الأمانة العامة للرابطة, أو يقدمها ثلاثة من أعضاء المجلس واتخاذ قرارات بشأنها, وذلك فيما يتعلق بمسيرة نشاط الرابطة لتحقيق أهدافها وتقديم النصح والتوصيات والمشورة للدول والجماعات التي تحتاج إليها في خدمة الإسلام والمسلمين. والعمل في المجلس التأسيسي تطوعي, لا يتقاضى أعضاؤه عنه راتباً ولا مكافأة.
وقد خفضت الرابطة من نشاطها الخيري الصرف بإنشاء هيئة الإغاثة الإسلامية التابعة لها التي تمثل الذراع الإغاثي لها.
2-الندوة العالمية للشباب الإسلامي: أنشئت عام 1392هـ/1972م لخدمة الشباب المسلم وتقديم برامج مناسبة له, وقد أسهمت في العقود الأخيرة بنصيب وافر في مجال العمل الدولي. ويتكون هيكل الندوة مما يأتي:
(1) الجمعية العمومية: وهي مؤلفة من مندوبي الجمعيات الشبابية والطلابية التي لديها عضوية "عاملة" في الندوة، وهي تنعقد كل أربع سنوات لانتخاب أعضاء مجلس الأمناء وإجازة خطة الدورة القادمة, وله حق التعديل في النظام الأساسي (الدستور).
(2) مجلس الأمناء: وهو مؤلف من ثلاثة وعشرين عضواً يمثلون القارات الست بنسب متفاوتة، ويعقد المجلس مرتين كل عام لينظر في مسيرة العمل ويقر الخطط التنفيذية واللوائح التفصيلية.
(3) الأمانة العامة: وهي الجهاز التنفيذي للندوة وتتألف من الأمين العام والأمناء العامين المساعدين والموظفين.
(4) المكاتب الإقليمية والفرعية: ويشرف على كل مكتب إقليمي ـ عادةً ـ أمين عام مساعد أو مشرف مكلف بذلك. وهنالك أربعة مكاتب إقليمية في المملكة, وعدد آخر في الخارج. وعدد المكاتب غير ثابت لأنه خاضع لظروف العمل في البلدان المعنية وحاجة المنطقة للنشاط.
(5) الهيئات: للندوة مجموعة من الهيئات المساندة لها في العمل منها: الهيئة الشرعية والهيئة الاستشارية والهيئة التنفيذية.
وللندوة برامج منها ما يلي:
أ‌- برامج دعوية وتدريبية للشباب كالمنح الدراسية وكفالة المعلمين, والمخيمات التربوية والقوافل والملتقيات وكفالة الدعاة, وطباعة الكتب والمواد الدعوية باللغات المختلفة.
ب‌-  برامج للمشاركة في الملتقيات الدولية ممثلة في برامج الأمم المتحدة ومؤسساتها ومؤتمراتها, والمشاركة في النشاطات الدولية الإسلامية كالمؤتمر الإسلامي والملتقيات الدولية والإقليمية للمنظمات الإسلامية. وقد حصلت الندوة على العضوية في بعض مجالس الأمم المتحدة وشاركت في مؤتمرات السكان والمرأة بالتنسيق مع المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في القاهرة. وأهمية هذا المجال تتمثل في أثر الجمعيات غير الحكومية في تشكيل الرأي العالمي حالياً, وأوضح مثال على ذلك هو مؤتمر (ديربن) في جنوب إفريقيا عام 1423هـ/2002م إذ اضطرت الجمعيات (وعددها 3000جمعية) المندوبيْن الأمريكي والإسرائيلي إلى مغادرة المؤتمر بسبب الانتقادات الموجهة إلى سياستهما.
ج- برامج دعم المؤسسات الإسلامية الشبابية بالذات, ورفع مستوى الأداء لديها بعدة وسائل منها: تصحيح وضعها التنظيمي إذ يتم تسجيلها مؤسسة خيرية أو وقفاً... إلخ, ودعمها بالمال عن طريق المحسنين, وتقديم دورات تدريبية لها في مجال الإدارة والعمل الدعوي وذلك من خلال النشاطات الصيفية.
د- برامج إغاثية للمتضررين خاصة منذ الاجتياح الروسي لأفغانستان في عام 1399هـ/1979م والعدوان الصربي على البوسنة والهرسك. وتأكد ذلك بإنشاء (اللجنة السعودية المشتركة) في عام 1419هـ فصارت الندوة عضواً في مجلسها, ومشاركاً في تنفيذ برامجها الإغاثية والدعوية في ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا والشيشان.
3- مؤسسة الملك فيصل الخيرية: وهي مؤسسة خيرية أنشئت عام 1396هـ, وتعمل في نطاق معين يتمثل في برنامج منح وخدمات أكاديمية يقدمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية, وجوائز عالمية مشهورة تقدمها الأمانة العامة لجائزة الملك فيصل العالمية في خمسة مجالات هي: خدمة الإسلام, والدراسات الإسلامية, والأدب العربي واللغة, والطب, والعلوم.
ولدى المؤسسة برنامج منح موجه إلى طلاب الدراسات العليا في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية.
(2) القرن الخامس عشر الهجري:
كانت الحرب الأفغانية ضد الغزو الروسي فرصة لاطلاع كثير من الناس على العمل الخيري العالمي وإدراك أهميته وأثره, وقد برز من خلاله أيضاً مدى الحاجة إلى عمل مؤسسي ثابت لدى المسلمين وفقاً للتنظيمات الدولية التي تبدّت في أفغانستان, ومن ثم نشأت مؤسسات جديدة مستفيدة من تجارب الميدان.
وتميزت هذه الفترة بظهور مؤسسات جديدة إضافة إلى نشوء نوع جديد من مؤسسات العمل الخيري, وهو اللجان العامة التي تجمع بين الجانب الحكومي والشعبي, مثل:
• الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك عام 1412هـ.
• اللجنة السعودية المشتركة لإغاثة شعب كوسوفا والشيشان عام 1419هـ.
• لجنة دعم انتفاضة الأقصى عام 1421هـ.
وإذا عدنا إلى المؤسسات الخيرية التي ظهرت في هذه الفترة فسوف نجد أن أبرزها في المملكة كان كما يلي:
1- هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية:
انبثقت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بالمملكة عن رابطة العالم الإسلامي بقرار من مجلسها التأسيسي في دورته العشرين المعقودة في مكة المكرمة خلال المدة من 15-27/11/1398هـ الموافق 17-29/10/1978م, وبالموافقة السامية رقم 4834 في 30/2/1399هـ الموافق 29/1/1979م. وأصدر المجلس التأسيسي في دورته الخامسة والثلاثين المنعقدة في مكة في الفترة من 7 ـ 10/8/1418هـ الموافق 7 ـ 10/12/1997م النظام الأساسي للهيئة وتم تحديد أهدافها ووسائلها.
وتتكون الهيئة من أجهزة متعددة؛ ويعتبر مجلس الإدارة هو السلطة العليا وقراراته ملزمة للجهاز التنفيذي, ويرأسه الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس مجلس إدارة الهيئة. وضم في تشكيله في عام 1418هـ خمسة عشر عضواً من المهتمين بالعمل الإغاثي والإنساني من داخل المملكة وخارجها بما في ذلك اليابان والسنغال تم اختيارهم بالتشاور مع رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العام الإسلامي آنذاك. أما الأمانة العامة فهي الجهاز التنفيذي للهيئة ويرأسه الأمين العام للهيئة.
وللهيئة مكاتب كثيرة في داخل المملكة وخارجها تشرف على تنفيذ البرامج والمؤسسات التابعة للهيئة في الدول المعنية.
2-مؤسسة الحرمين الخيرية: هي إحدى المؤسسات الخيرية التي تنطلق من المملكة العربية السعودية, وتعنى بالدعوة إلى الله وتعليم أبناء المسلمين ومساعدة الفقراء والمعوزين في الداخل والخارج وقد زكّاها مجموعة من علماء الأمة وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعالى وفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى, ويشرف على أعمال المؤسسة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
بدأت مرحلة تأسيسها الأولى عام 1408هـ بجهود بعض الدعاة إلى الله, أما مرحلة التأسيس الفعلي فكانت في رجب عام 1412هـ بمدينة الرياض.
وسعت المؤسسة لفتح فروع لها في أنحاء المعمورة, وتوسعت في أعمالها ومشروعاتها وعينت عشرات المندوبين في كثير من دول العالم. كما توالى افتتاح مكاتب المؤسسة في مدن المملكة، وتم تعيين العديد من المندوبين في المدن والبلدان الصغيرة.
كما اتجهت المؤسسة إلى تطوير أنماط الدعوة والعمل الإغاثي, واستخدمت شبكة الإنترنت لربط مكاتب المؤسسة بالداخل والخارج بشبكة المكتب الرئيس.
وتهدف المؤسسة لتحقيق جملة من الأهداف منها:
1- ترسيخ العقيدة في قلوب المسلمين بالكتاب والسنة.
2- نشر العلم الشرعي في المجتمعات الإسلامية.
3- مساعدة المسلمين بالرفع من مستواهم العلمي بإقامة المعاهد والمراكز والدورات المختلفة في العقيدة والعبادة والسلوك.
4- المسارعة إلى إغاثة المسلمين عند نزول الكوارث والنكبات.
5- الإسهام في تنفيذ البرامج الدعوية والاجتماعية داخل المملكة العربية السعودية جنباً إلى جنب مع الجهات المعنية.
3- وهناك مؤسسات خيرية عالمية أخرى نذكر منها:
1- المنتدى الإسلامي (الرياض): أنشئ عام 1406هـ, ومقره حالياً لندن, وله نشاطات دعوية وتربوية وإغاثية في إفريقيا بالذات, كما أنه يصدر دورية مشهورة هي "البيان".
2- مؤسسة مكة المكرمة الخيرية (الرياض) أنشئت سنة 1407هـ تحت مظلة الرابطة.
3- مؤسسة الوقف الإسلامي (الرياض) سنة 1408هـ.
4- مؤسسة أل إبراهيم الخيرية (الرياض) سنة 1409هـ.
5- إدارة المساجد والمشاريع الخيرية (الرياض) سنة 1411هـ.
6- مؤسسة الحرمين والمسجد الأقصى (مكة) سنة 1411هـ.
7- مؤسسة اقرأ الخيرية (جدة).
8- مؤسسة سليمان بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية سنة 1421هـ.
ثالثاً: ملاحظات العمل الخيري العالمي:
أ- إيجابياته:
1- على الرغم من ظهور مؤسسات العمل الخيري العالمي متأخرة عن الجمعيات الخيرية المحلية فإنها استطاعت دخول المعترك الدولي, فشاركت المنظمات العريقة من أمريكا وأوروبا في مناشطها سواء في كوسوفا أم في الشيشان أم في إفريقيا, وصار لها تأثير في الساحة الدولية.
2- ساندت القرار المحلي للتعريب وبث الوعي الإسلامي في بعض البلدان مثل: الصومال وجيبوتي وتشاد.
3- أصبح هذا العمل مجالاً لتطوير الكفايات الشبابية في العمل الدولي, والوصول إلى خفايا النظام الدولي والاطلاع عليه. وقد كسب مجموعة من العاملين في اللجنة السعودية المشركة – مثلاً – من الخبرة إبّان مهماتهم في كوسوفا والشيشان ما لم يكن لهم من قبل, وكذا حال العاملين في الندوة وغيرهما من المنظمات.
4- وجه هذا العمل المساعدات والتبرعات وجهة مدروسة بكفاية عالية وكلفة منخفضة, فلم تعد المساعدات تعطى للمنظمات الدولية التي تنفق معظمها على موظفيها, بل صارت تصب في برامج مباشرة لخدمة القضايا الإسلامية والإنسانية.
5- قدم هذا العمل الخدمات لملايين المسلمين وغير المسلمين الذي ما كان لهم أن يحصلوا على ذلك من دونه سواء في مجال الإغاثة أم في مجال المنح الدراسية... إلخ.
6- رسخ سمعة طيبة للمملكة في العالم الإسلامي, ودعم المجهودات الرسمية للدولة في الخارج (أمثلة: المساعدات الإنسانية, المنح الدراسية, الجهود الدعوية...).
7- مكّن هذا العمل آلاف الشباب من الذكور والإناث من رفع مستواهم الفكري والمعيشي من خلال برامج المنح التي يقدمها, ومن خلال ترشيحه للطلاب للجامعات الإسلامية في المملكة والسودان وماليزيا وغيرها مما رفع من مستوى معيشة أسر ومجتمعات إسلامية. وبعض المؤسسات الإسلامية معتمدة لترشيح الطلاب لدى بعض الجهات الرسمية في تلك البلدان.
8- هذه الجمعيات من أرقى أشكال مؤسسات المجتمع المدني التي يزدان بها أي مجتمع حديث, فهي مؤسسات أهلية حقاً, ومكاسبها تعود بالخير علي مجتمعاتها ودولها, وأخطاؤها تعود على القائمين على إدارتها.
ب ـ مشكلاته:
1- معظم هذه الجمعيات غير مسجل في المملكة, وليس له وجود نظامي, وهذا مما يعوق تطوره, ويجعل وجوده مزعزعاً.
2- عدم وجود جهة أو جهات رسمية يرتبط بها هذا العمل, ومن ثم نتجت قلة الخبرة لدى الجهات المعنية بمثل هذا العمل:
(1) فلا توجد أنظمة كافية تنظم هذا العمل.
(2) لا توجد مجالس مشتركة تجمع هذا العمل وتنسق مناشطه.
(3) لا توجد أطر رقابة منظمة على هذا العمل, بل المسألة فيه قائمة على الثقة بمن فيه.
3-يعاني هذا العمل الخيري من الضعف الإداري بشكل عام, إذ لا توجد له أطر تنظيمية راقية تحفظ له وجوده, وتبعده عن القرارات الفردية, وتعينه على الامتداد إدارياً بامتداد العمل الدولي. ونعتقد أن معظم تلك الجمعيات قائم على قرار الفرد الواحد في مسائل دولية معقدة.
4-لدى هذا العمل الخيري سجل لا يخلو من أخطاء أو ثغرات أصبحت اليوم تحسب عليه في ظل الهجمة الغربية، من ذلك رميه بدعم الأعمال الإرهابية. ولا شك أن العمل الخيري قد ولجه أحياناً أشخاص لم يكن لديهم خبرة كافية للتعامل مع المعطيات الدولية وحسابها؛ فدعم الجهاد الأفغاني الذي كان مكسباً أصبح اليوم مثلباً!! ومن الضروري أن يقتصر العمل الخيري على البرامج الإغاثية والاجتماعية والتربوية والدعوية وأن يدع ما سوى ذلك لغيره, وذلك حفاظاً على وجوده ووجود غيره.
5-قلة خبرة العمل الخيري بالبعد الدولي, إذ لا تزال معظم الجمعيات الخيرية المعنية بالعمل العالمي غير مسجلة في المنظمات الدولية وغير مهتمة بشؤونها.
رابعاً: أفاق المستقبل:
1- علاقة هذه الهيئات بجهة إشراف حكومية أو شبه حكومية, وهي حسب الإجراءات الأخيرة (الهيئة السعودية الأهلية للإغاثة والأعمال الخيرية في الخارج). فلا تزال الحال غامضة.
2- هنالك احتمال أن يزداد الضغط الأمريكي على هذه المؤسسات وعلى الدولة, باستمرار إثارة اللغط حولها واستغلال ما لديها من ثغرات سابقة أو اختلاق أمور عليها, لأن الأمريكيين لن يرضوا بأي تنازل إلا أن يقود إلى إلغاء المؤسسات, وسوف يتعدى الأمر ذلك إلى ملاحقة كل مظاهر التدين الباقية في الدولة وإداراتها.
3- سوف يتسع نشاط هذه الجمعيات الباقية دولياً في آسيا وإفريقيا بالذات, وقد تصطدم بالمنظمات النصرانية في تلك المناطق بعد أن استطاعت المؤسسات الخيرية الإسلامية إبطال خطط التنصير في إفريقيا. وما دعاوى الإرهاب إلا سيف مسلط على رؤوس تلك المؤسسات ورجالها ودولها. وعلينا أن نطالب دائماً بالدليل الحاسم الذي يبت فيه جهة قضائية مهما كان ذلك مضنياً, لأن في هذا فضحاً لليهود والصهاينة والنصارى الجدد الذين يسيطرون على الإدارة الحالية ودوائر صنع القرار في أمريكا.
4- سوف تصطدم هذه الجمعيات بالمحتل اليهودي في فلسطين, ولذا ينبغي لها أخذ الحيطة في البرامج المقدمة للإغاثة والدعوة والتربية في فلسطين.
5- على هذه الجمعيات أن تنتظم مع الجمعيات العربية والإسلامية المماثلة في مجالس عامة للتنسيق والتعاون, وقد ظهر مثل هذا النشاط حديثاً في مثل (المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة – القاهرة) ونتوقع لهذا النشاط الامتداد بعون الله.
6- على هذه الجمعيات أن تتعاون مع الجمعيات غير الإسلامية في المجالات المشتركة مثل: برامج الأسرة والمحافظة عليها, وبرامج مكافحة المخدرات بين الشباب, ومجال الرعاية الصحية, والبرامج الإغاثية... وهذا يوسع من دائرة عملها وعلاقاتها وأصدقائها.
7- ضرورة الاهتمام (بالبرامج النوعية), وعدم الانخراط كلياً في نشاطات مكررة. ومن تلك البرامج النوعية المحتاج إليها مثلاً: نشر الكتاب الإسلامي باللغات المختلفة, واستغلال وسائل الدعوة المستجدة، ومتابعة النشاطات الدولية الموجهة إلى هدم القيم الدينية كبرامج الأسرة والسكان والمرأة التي تبشر بها بعض منظمات الأمم المتحدة.
8- ضرورة رفع قدرات منسوبي الجمعيات وتعريفهم بالعمل العالمي وطرقه, وفهم عقلية القائمين عليه عن طريق الدورات واللقاءات وتبادل الخبرات فيما بينها.
08/07/2007

عودة

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988